اعداد المؤتمر العالمي للإمام الشهيد الصدر ( قده )

477

ومضات ( مجموعة من مقالات ومحاضرات ووثائق للسيد محمد باقر الصدر )

الاحتياط إلى الحرج فيسمح لكلّ مكلّف بأن يقلّل من الاحتياط بالدرجة التي لا تؤدّي إلى الحرج « 1 » . انظروا إلى الروح الكامنة في هذا الافتراض وكيف سيطرت على أصحابه النظرة الفرديّة إلى الشريعة ، فإنّ الشريعة إنّما يمكن أن تأمر بهذا النوع من الاحتياط لو كانت تشريعاً للفرد فحسب ، وأمّا حيث تكون تشريعاً للجماعة وأساساً لتنظيم حياتها فلا يمكن ذلك بشأنها ؛ لأنّ هذا الفرد أو ذاك قد يتمّ سلوكه كلّه على أساس الاحتياط ، وأمّا الجماعة كلّها فلا يمكن أن تقيم حياتها وعلاقاتها الاجتماعيّة والاقتصاديّة والتجاريّة والسياسيّة على أساس الاحتياط . وأمّا المثال الفقهي فنأخذه من الاعتراض الشهير الذي أثاره الفقهاء حول قاعدة « لا ضرر ولا ضرار » ، إذ قالوا إنّ هذه القاعدة تنفي وجود أيّ حكم ضرري في الإسلام ، بينما نجد في الإسلام أحكاماً ضرريّة كثيرة ، كتشريع الديات والقصاص والضمان والزكاة ، فإنّ في تشريع هذه الأحكام إضراراً بالقاتل الذي يكلّف بالدية وبالقصاص ، وإضراراً بالشخص الذي يتلف مال غيره ، إذ يكلّف بضمانه ، وإضراراً بصاحب المال الذي يكلّف بدفع الزكاة « 2 » . إنّ هذا الاعتراض يقوم على أساس النظرة الفرديّة إلى التشريع ، فإنّ هذه النظرة هي التي أتاحت لهم أن يعتبروا هذه الأحكام ضرريّة ، بينما لا يمكن أن تعتبر هذه الأحكام ضرريّة في شريعة تفكّر في الفرد بوصفه جزءاً من جماعة ومرتبطاً بمصالحها ، بل إنّ خلوّ الشريعة عن تشريع الضمان والضرائب يعتبر أمراً ضرريّاً . وقد كان من نتائج ترسّخ النظرة الفرديّة قيام اتّجاه عامّ في الذهنيّة الفقهيّة

--> ( 1 ) انظر فرائد الأصول 1 : 384 ؛ فوائد الأصول 3 : 228 ( 2 ) انظر : بحوث في علم الأصول 5 : 471